الجصاص
213
أحكام القرآن
ما على المحصنات من العذاب ) أراد به الإحصان من جهة الحرية لا الإحصان الموجب للرجم ، لأنه لو أراد ذلك لم يصح أن يقال عليها نصف الرجم لأنه لا يتبعض . مطلب : إذا علقت الاحكام بمعان فحيث وجدت فالحكم ثابت وخص الله الأمة بإيجاب نصف حد الحرة عليها إذا زنت ، وعقلت الأمة من ذلك أن العبد بمثابتها ، إذ كان المعنى الموجب لنقصان الحد معقولا من الظاهر وهو الرق وهو موجود في العبد . وكذلك قوله تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ) [ النور : 4 ] خص المحصنات بالذكر وعقلت الأمة حكم المحصنين أيضا في هذه الآية إذا قذفوا ، إذ كان المعنى في المحصنة العفة والحرية والإسلام ، فحكموا للرجل بحكم النساء بالمعنى . وهذا يدل على أن الأحكام إذا عقلت بمعان فحيثما وجدت فالحكم ثابت حتى تقوم الدلالة على الاقتصار على بعض المواضع دون بعض . فصل قوله تعالى : ( فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن ) يدل على جواز عطف الواجب على الندب ، لأن النكاح ندب ليس بفرض ، وإيتاء المهر واجب ، ونحوه قوله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) [ النساء : 3 ] ثم قال : ( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) [ النساء : 4 ] . ويصح عطف الندب على الواجب أيضا كقوله تعالى : ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ) [ النحل : 90 ] فالعدل واجب والإحسان ندب . وقوله تعالى : ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية العوفي : " هو الزنا " . وقال آخرون : هو الضرر الشديد في دين أو دنيا ، من قوله تعالى : ( ودوا ما عنتم ) [ آل عمران : 118 ] . وقوله : ( لمن خشي العنت منكم ) راجع إلى قوله : ( فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) ، وهذا شرط إلى المندوب إليه من ترك نكاح الأمة والاقتصار على تزوج الحرة لئلا يكون ولده عبدا لغيره ، فإذا خشي العنت ولم يأمن مواقعة المحظور فهو مباح لا كراهة فيه لا في الفعل ولا في الترك . ثم عقب ذلك بقوله تعالى : ( وأن تصبروا خير لكم ) فأبان عن موضع الندب ، والاختيار هو ترك نكاح الأمة رأسا ، فكانت دلالة الآية مقتضية لكراهية نكاح الأمة إذا لم يخش العنت ، ومتى خشي العنت فالنكاح مباح إذا لم تكن تحته حرة . والاختيار أن يتركه رأسا وإن خشي العنت ، لقوله : ( وأن تصبروا خير لكم ) . وإنما ندب الله تعالى إلى ترك نكاح الأمة رأسا مع خوف العنت لأن الولد المولود على فراش النكاح